لا يستقر على هيئة واحدة.. ولا ينتهي إلى شكلٍ أخير..

 

أعود إلى الكتابة، في استئنافٍ بطيءٍ وحذر، بعد وقتٍ وهبته للقراءة، كاد، في خضم الاستجابة لما يستدعي شغفي المعرفي، أن يتحول إلى عزلةٍ كاملة..
كنت أقول لنفسي مشجعةً إياها على الاستمرار: لنترك للنصوص فرصةً للتنفس، ولنعطِ الأفكار وقتها لتنضج بصمت.. فثمة لحظة ندرك فيها أن بعض ما نبحث عنه في الكتابة لن يأتي من اعتكاف النفس على المزيد منها، وإنما من تلك المسافة التي نمنحها بوعي لما لم يكتمل بعد..
ومع ذلك... كما في كل مرة، يطلُّ من هذا الترحال الفكريّ بين النصوص والصفحات ملمحٌ غائم يوشك أن يتخذ لنفسه اسمًا وحدودًا..
ثم ما يلبث أن يتحول إلى سؤال، يغزله خيطٌ مستتر بين السبب ونتيجته، شاقًا طريقه عبر طبقات الانطباع، متجاوزًا ما تمليه حالتنا المزاجية، وميلنا الفطري إلى التعميمات المريحة التي نختزل بها تعقيدات واقعنا...
يطرح نفسه، ولا يعنيه شيء من حسابات حاضرٍ يستنفد منّا ما نملك وما نحتمل ، ولا صرير الكتابة حين تستعجل اكتمالها المصطنع إلى حدِّ الضجيج.
سؤالٌ كأنه كان ينتظرني خارج ذلك كلّه.
ما النص الحي؟
بينما يكشف المشهد الراهن عن وجهٍ آخر أشدَّ تعقيدًا...
فكم من نصٍ أدبي تنكر لروحه اتقاء هوامش النسيان؟
وكم من كاتبٍ ضحّى بفرادته، حرفًا ورؤيةً، كي لا ينطفئ في مجاهل العزلة؟
فالكتابة لم تعد تحلم بالخلود بقدر ما تفاوض زمنها على حقِّ البقاء..
وهذا عصرٌ يستعجل كل شيء، حتى المشاعر،
ولا يترك للانفعال متسعًا ليبلغ ذلك الامتلاء الذي لا يمنحه إلا الزمن والصدق..
فتتعلم الكلمات محاكاةَ إيقاعه قسرًا:
سريعة... عابرة... مطيعة..
تبلغ العلن قبل أن تهتدي إلى ما نريد..
فراغٌ مصقول، بلا ندوب أو أثرٍ يثبت في الذاكرة.
تَمُرُّ بمحاذاة القلب ولا تمسُّه، كأن اللغة لم تعد معنيةً بالأعماق.
فأيُّ استثناءٍ ما زال بوسع البوح أن يمنحنا إيّاه؟
ربما يكمن في تلك المسافة بين الإيحاء والفهم،
فلا تأتي النصوص بإجابةٍ مكتملة،
بقدر ما تجعل الغموض أكثر ألفة، والأسئلة أقل وحشةً..
كأنها جملة ناقصة أربكت المعنى ثمَّ أيقظته!
غير أن النص الذي أحبّ...
هو الذي يشقُّ في ركام الفكر منفذًا للتساؤل عمّا ظننته قد استنفد دهشته، ثم يعيده إليَّ في هيئة مبتكرة، مراوغة، متواريًا خلف مفرداته كلما حاولت أن أحيطه بتفسيرٍ حاسم يغلق عليه منافذ الاحتمال، وسواءٌ أكان يتكلم بلسان حاضره، أم يغيب في استغراقٍ وجدانيّ يحمل إلينا صدى القديم البعيد، يظلُّ صداه عالقًا في نفسي كصوتٍ غريب، لكنه يعرفني، يناديني باسمي، ويوقظ فيَّ ما حسبته قد صار طيَّ النسيان..
هو النص الذي يحوّل التناقض إلى بنية فهم..
ويستخرج من تقابل الأضداد شكلًا أرحب للوجود...
وفي اللغة الشعرية، يبلغ هذا المدى الخلّاق ذروة كثافته، حين يظلُّ "الممكن" يتردد بين جهاته دون أن يرسو على واحدةٍ منها..
فينسج المجاز، بهذا التردد، عوالمه السحرية؛ إذ ما الشعر، في أحد أعمق وجوهه، إلا فنُّ جمع ما يستحيل اجتماعه..
هنا، تكتمل شمس الشعور بتضادّها: حنانًا ولهيبًا..
وفي توهجها تبلغ ثنائية الفكر والوجدان نقطةً ينتهي فيها منطق التوازي بينهما إلى لقاء، وما يستحيل هندسيًا على امتداد المسافات يصبح ممكنًا في الوعي. ومن هذا اللقاء ينشأ في النفس مسارٌ جديد؛
وتنكشف معه التجربة: لا قطيعةً مع الحياة، ولا نفيًا للاستمرار..
بل امتدادٌ بين الفكر المتجدّد وأبعادٍ من معرفةٍ مؤجلة.
ولأن الكتابة حين تنبض بروحِ النص الحي لا تعود صياغةً وبناءً فحسب ..
فإني أحب منها التي لا تستنزف نفسها بالتفاصيل؛
حيث أصغي إلى اللغة إذ تفصح عن جزءٍ وتلمِّح إلى الكل،
وأتعلَّم، من شاعرية البوح، سرّ الكناية،
حين لا تقايض المعنى بأيّ كلمةٍ عابرة،
ولا تكشف نفسها دفعة واحدةً..
بل تبقى تتردد بين احتمالاتها ولا تستعجل الوصول...
كأن بدايتها الحقيقية كانت خاتمة القول..
كضوءٍ يطفو على سكون ماءٍ تُراوِده التَّموُّجات..
لا يستقر على هيئة واحدة ..
ولا ينتهي إلى شكلٍ أخير.

تعليقات

المشاركات الشائعة