أن أرى.... خطوة جديدة على درب المعنى


لأنَّ ذكرى الميلاد أكثر من مجرد رقمٍ في تقويم العمر، فهي محطّةُ مكاشفةٍ يُقيّمُ فيها الوعي رؤيته، ويَهَبُ لنفسه هدنةً وجدانيةً من صخب الأيام، ليتأمَّل ما مضى، أحتفي بهذا اليوم عودةً مقصودةً إلى المعنى، وعهدًا أجدّده كل عام صوب ما أستحقُّ أن أصير إليه، فلا يكون المسار شاهدًا عليَّ، بل شريكًا يرافقني في امتحان الصيرورة ومسؤولية الاختيار...
غير أن هذا العهد، يتجدد في غيابِ عزلةٍ صافية، ضمن تفاعلٍ بارد يستنزف الحضور ويشتت التركيز، في مناخٍ عام يفتقر إلى يقينٍ راسخ، ويضجّ بأنماطِ جاهزة تتكرر بلا مساءلة، حتى يبدو الرُّكون إلى ما هو قائم أيسر من التفكير فيما لم يأتِ بعد؛ وأن الاكتفاء بما تمنحه العين من مدركٍ حسيٍّ راهن أقلُّ كلفةً على النفس من التطلّع إلى المعنى الكامن وراء حدود المنظور!
ومن هنا تظهر مراجعة الذات كضرورة، إذ يتمثل ذلك كلَّ عام في سؤالٍ واحد يستنهض روحي بإلحاحٍ أعرفه جيدًا، أشبه بصدى داخلي، أو نداءٍ خافت مألوف، يظلُّ حضوره ثابتًا رغم غموضه: ما الذي يتبقَّى لنا، إذا ما حاصرنا الواقع ضمن زوايا ما هو كائن؟
فيُلقى بالرؤية إلى هامش الترف الذهني، وكأنها شطحةٌ حالمةٌ في سياق محسوم، أو تفصيلٌ زائدٌ في نولٍ محكمٍ من الأوهام!
والأدهى من ذلك! أن يؤخذ برأي من لم يذق مرارة النمطية حين تنقلب الأفكار إلى سجالٍ عقيمٍ مبتورٍ من أي أفقٍ ممكن...
وأعترف... أنني ارتضيت تلك الزوايا في بعض الأحيان، حين يثقلني التعب،
أو يتسلل إليَّ مللٌ عابر، أو تتربص بي الحيرة أمام غموض الطريق...
لكن سرعان ما استجمع شجاعتي الصغيرة، حيث لا تكون كبيرةً في حينها ،فأستعيد قراري، وأعود إلى مشاكسة يقيني، وأتفحص من جديد رصيدي المعرفي كدليلٍ لكل خطوة، فيصبح المسير حذرًا، كمن يمشي على حافةٍ هلامية تفصل بين الضوء والظل...
وفي هذا المسار المتغير، أدرك كم أحتاج إلى الرؤية، كقرارٍ واعٍ يناقض البلادة، حتى لو تأخر التحقق، أو طال الانتظار..
أن أبصرَ جدوى الممكنات بالعقل والقلب معًا، وأستلهم من خلاصات الفهم مسارًا مستقبليًا،
فأهتدي بها كنجمةٍ تحفظ في عمقها سرَّ البدايات، وتصون ـــ رغم مظاهر الفناء ــــ وعدَ الضوء في العتمة؛ لتضيء سُبُلَ الغاية المنشودة.
لكن... في البُعد الإنساني المشترك ماذا يعني ذلك؟
إن الرؤية أفقٌ يتجاوز حدود التجربة المعزولة، فهي امتدادٌ للعقل، والوقود الأول لكلّ منجزٍ، وفي جوهرها الصلة التي تربط المعرفة بأفقها الكلّي؛ فلا يكتمل الفهم إلا بامتلاك القدرة على وصل الجزئي بمعناه الأوسع، وحين تأبى الفكرة أن تبقى معلقةً في حيّز الإمكان الخالص، فإنها تتحقق نزوعًا أصيلًا نحو البصيرة، اتجاهًا معنويًا يضبط النظر، ويهذب القصد، فينتظم الكلّ في انسجامٍ واحد..
هنا... يسابق الوعي المتقدم زمانه، يوازن بين الواقع والمثالي، بين ما هو محسوس ومتخيل، ويعطي الفكرة شكلها القابل للحياة، ويغزل لها خيط معنى ينسج استمراريتها عبر الأزمنة...
وعلى المستوى الشخصي أعيش مخيلتي حيةً أمامي، أتابع الصور وهي تترسم في ذهني، أتعامل معها مرةً بعين العقل، ومرةً بتَفهّمِ العاطفة، أفككها وأعيد تركيبها، وأستمد من هذا التمرين رؤيتي الذاتية...
وكأني أتمثّلُ في هذا التفاعل، ودون قصد، ما سمّاه غاستون باشلار: ديناميكية الصور، إذ لا تبقى الصورة سطحًا محايدًا تملأه المخيلة بالزينة أو تتوسل به تعويضًا عن نقص ما في الواقع، لكنها تصير هي ذاتها طاقةً مبدعة، تدفع الوعي إلى إعادة بناء ذاته وترتيب علاقته بالعالم..
وفي خضم هذا التحليل الشاعري للمخيلة وتجلياتها الآسرة....
تستحوذ على ذهني بعض التساؤلات التي تطرح نفسها بعمقٍ أشد وصدقٍ أعلى:
أليس في الاكتمال المبكر للصورة ما يغري النفس بالاكتفاء بخريطةٍ فكرية تجنبها عناء التيه ومصادفته العجيبة والمحفزة؟
وماذا عمّا يتشكل خارج إطار توقعاتي أو منظوري الخاص؟
وعن تلك الدهشة الصافية التي ترتجف لها روحي لحظة الاكتشاف؟
حين أرى بوضوحٍ مفرط، أتأمل وأدقق في كل شيء، ويغمر الضوء عيوني حدَّ الامتلاء...
ألا يمكن أن أصاب أحيانًا بشكل مقنع من أشكال العمى :
فأرى ما أعرفه فقط... وأحدس حصرًا ما ينسجم مع انطباعاتي وتصوراتي المسبقة ؟...
لكن... ماذا لو واجهني منعطفٌ في العتمة بما لم أتوقعه يومًا؟
منعطفٌ قد يكون فيه قيمة تغني مداركي، أو حافزًا يحثني على ترتيب أولوياتي على نحوٍ أجدى، وربما بداية لمرحلة أجمل وأكثر اتساعًا مما تخيلت...
الإدراك مسؤولية...
والمسؤولية تعني التصالح مع الثبات والدهشة،
مع الإخفاق والإنجاز،
فلا الخطأ نقيض الرؤية،
ولا التقدم ببطء أو التوقف قليلًا يعني سقوطها خارج زمن اليقين.
ومن يرى حقًا، لا يطلب عصمةً كاملةً لنفسه.
لأنّه يعرف حدود رؤيته، ويحرص على إبقاء شجاعة المراجعة، ومرونة الاعتراف، وفضيلة البدء من جديد جزءًا أصيلاً من تكوينه الفكري والروحي.
كما لو أن الأشياء، في لحظة ما، لا تكشف حقيقتها إلا بأثرها الكامن في الأعماق، بما يستقرُّ في الذاكرة، ويقيمُ في الشعور، فيبدو أن القرب هو المقياس، وأنّ كلّ ما نشعر نحوه بالانتماء، ونأنس بقربه طمأنينةً وسلامًا، هو تعبيرٌ حي، متجدّد البقاء، عن رؤيةٍ ملهمة حازت من وجداننا ما يصدقها، ومن عقلنا ما يمنحها السبيل نحو الوجود؛ إذ ما الذي يُذكي جذوة السعي فينا، إن لم يكن لقاء العقل المستنير بالرغبة المتقدة بتوقها الأصيل إلى كمالها الممكن؟
فأن نرى يعني أن نتذكّر،
وأن نتذكّر يعني أن نشتاق،
وأن نشتاق يعني أن نسعى.
كأن النفس وهي تمضي نحو ما تحبُّ أن تصير إليه، تلامس ما أشار إليه أفلاطون حين رأى في الحب قوةً صاعدةً بالروح، لا تقف عند مدركها الأول، لكنها ترتقي من التعلق بالمحسوس إلى معاينة الجمال في ذاته، حيث يتحد المعنى بالخير الأسمى،
كالطير الذي لا يلتفت لجناحيه،
إذ رآهما منذ البدء امتدادًا له في السماء..
فلا يفاوض الريح، ولا يفزعه اتساع الأفق،
ولا ينتظر من المسافات ضَمانًا يَقِيهِ السُّقوط.
لكنه يحلّق عاليًا...
لأنَّه لا يعرف إلا أن يطير...
الرؤية: ليست طريقًا مفروشًا بالضوء، لكنها خطوةٌ أولى في عتمةٍ أختار السير فيها ثقةً بكفاية البصيرة.
هي القلق النبيل الذي تنجو به الروح من ضيق التكرار وفتور العابر..
ضرورة إنسانية...
وأنا نفسي ما زلت أتعلمها عامًا بعد عام، وأرتبك أمامها أحيانًا.
حبلٌ سُريٌ يصلني بمعنى الوجود،
كلما أوشكت أشباه الحقائق أن تفرض تأويلها النهائي.
فأن أرى يعني أن أملك شجاعة تجاوز الصورة التي ألفتها عن نفسي.
وأن أواجه وحدي تبعات اختياراتي، وأكون قدر المستطاع حاضرةً بروح المغامرة، أصادق السؤال، وأختبر الجواب في مدارات مجهولة وطرقٍ غير معبّدة، فتمنحني الحياة ذلك البُعد الفارق، الذي أكتشف معه أن لها وجهًا آخر، حتى حين أظن فعلًا أنها قد قالت كلمتها الأخيرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة